مارينا هريميتش: ترجمة الأدب جسراً بين الحضارات



كتبت مارينا هريميتش


في عالم الدبلوماسية المعاصرة، لم يعد دور زوجة السفير مقتصراً على البروتوكولات والاستقبالات الرسمية، بل تحول إلى ركيزة فعالة في بناء جسور التفاهم بين الشعوب، وخصوصاً في مجال الدبلوماسية الثقافية. وهذا بالضبط ما تؤكده الدكتورة مارينا هريميتش في تحليلها العميق لدور "زوجة السفير" كفاعل مؤثر في المشهد الثقافي الدولي.


منصة للتأثير: تحول دور الزوجة الدبلوماسية

تشير هريميتش إلى أن العقدين الماضيين شهدا تحولاً ملحوظاً، حيث أصبح لزوجات السفراء فرصة كبيرة لقيادة مشاريع ثقافية مستقلة كانت في السابق حكراً على قسم الشؤون الثقافية في البعثة الدبلوماسية أو الملحق الثقافي. ويعود هذا التحول إلى عدة عوامل، منها صعوبة حصول الزوجات على عمل رسمي في البلد المضيف، مما يدفع أصحاب التعليم العالي والخبرة الواسعة إلى البحث عن مجال لتحقيق الذات. كما ساهمت عوامل أخرى مثل دمقرطة التقاليد الدبلوماسية، وازدياد الضغط على عمل الملحقين الثقافيين، فضلاً عن تنامي جاذبية العمل التطوعي الذي أصبح يُنظر إليه اليوم على أنه "وظيفة شرفية" لسيدة البعثة الدبلوماسية.


الرعاية والاحتضان: الكتاب وساحة الفعل الثقافي

ترى الكاتبة أن أنسب المجالات لدور زوجة السفير هو رعاية الفعاليات الثقافية من معارض الكتاب والمهرجانات الأدبية والعروض المسرحية والموسيقية. وتستشهد بمثالين بارزين: الأول هو رعاية زوجة سفير بولندا في الإمارات، السيدة ب. روستيك، للجناح البولندي في معرض أبوظبي الدولي للكتاب عام 2018. أما المثال الأكثر تفصيلاً فهو تجربتها الشخصية كزوجة لسفير أوكرانيا في لبنان، حيث قامت بتمثيل أوكرانيا في أبرز المعارض العربية للكتاب في بيروت (2017، 2018) وأبوظبي (2018). ولم تتوقف عند تمثيل بلدها فقط، بل سعت أيضاً إلى تمثيل الثقافة العربية في أوكرانيا، حيث أطلقت مبادرة "فناء الدار البيروتية" ضمن معرض "ترسانة الكتب" في كييف لعامي 2018 و2019.



الكتاب كأداة للتقارب الثقافي

في ظل ندرة المعلومات عن أوكرانيا كدولة شابة في العديد من الدول، تؤكد هريميتش أن المعارض الكتابية ذات الحضور الجماهيري الكثيف أصبحت سلاحاً فعالاً للغاية في "التوسع الثقافي". هذه الفعاليات لا تخلق صدى إعلامياً إيجابياً فحسب، بل تثير فضول الناشرين والقراء على حد سواء، مما يدفعهم إلى الرغبة في ترجمة الأدب الأوكراني ونشره بلغاتهم. وقد أدى هذا النشاط مباشرة إلى انفجار في التعاون الأدبي والنشر بين أوكرانيا والعالم العربي، حيث اشترى عدد من الناشرين الأوكرانيين حقوق ترجمة أعمال عربية، وظهرت الأدبيات العربية على رفوف المكتبات الأوكرانية، والعكس بالعكس. وكانت الثمرة المباشرة نشر أعمال أدبية أوكرانية كلاسيكية باللغة العربية، مثل مؤلفات إيفان فرانكو وأغاتانغل كريمسكي وليسيا أوكراينكا، بالإضافة إلى إصدار قاموس أوكراني-عربي حديث. وتصف الكاتبة هذا الإنجاز بأنه "حدث تاريخي" نظراً لوصول الثقافة الأوكرانية إلى سوق يضم حوالي 240 مليون ناطق بالعربية.


التعليم واكتشاف المواهب

لا تقتصر هذه المشاريع على البعد الترويجي، بل لها بعد تعليمي وتنويري بالغ الأهمية. وتقدم هريميتش مثالاً رئيسياً على ذلك وهو مشروع إصدار كتاب "الموجز في تاريخ أوكرانيا" باللغة العربية، الذي كتب بأسلوب علمي مبسط ليناسب القارئ العربي الذي لا يعرف سوى القليل عن أوكرانيا. كما تبرز الكاتبة دور زوجة السفير الحيوي في "اكتشاف" المترجمين الجدد وتشجيعهم. وتذكر في هذا الصدد المترجم اللبناني عماد الدين رائف، الذي أصبح، بفضل هذا الجهد، جسراً أدبياً بين البلدين، حيث ترجم بسرعة لافتة عشرات الكتب الأوكرانية إلى العربية، وأنشأ موقعاً إلكترونياً بالعربية للأدب الأوكراني، وأصبح مرشحاً لجائزة "دراهومان" التي يقدمها نادي القلم الأوكراني والمعهد الأوكراني.

تختتم الدكتورة مارينا هريميتش بالإشارة إلى بعد آخر رفيع لدور زوجة السفير، وهو تعزيز "الحوار بين الثقافات". وهو مجال حساس يتطلب فهماً عميقاً لثقافة البلد المضيف. بينما تهدف المشاريع السابقة إلى الترويج للثقافة الوطنية، فإن الهدف هنا هو تقريب القلوب وبناء الثقة المتبادلة من خلال كسر الصور النمطية والتحيزات الثقافية والدينية. مثل هذه المشاريع تثبت أن القواسم المشتركة بين الثقافات المختلفة هي دوماً أكثر بكثير من نقاط الاختلاف. وهكذا، يبرز دور زوجة السفير ليس كدور بروتوكولي تكميلي، بل كمحرك فعال للدبلوماسية الثقافية، حيث تتحول ترجمة الكلمات إلى ترجمة للمشاعر، وبناء لجسور من المعرفة والتفاهم بين الحضارات.


بقلم: الدكتورة مارينا هريميتش (أكاديمية وباحثة انثروبولوجية وروائية وناشرة، وزوجة السفير الأوكراني السابق في لبنان إيهور أوستاش، 2016-2022)

مصدر النص: مساهمة الكاتبة مارينا هريميتش في الفصل الثاني من كتاب "الدبلوماسية الثقافية في نشاط المؤسسات الدبلوماسية الأجنبية لأوكرانيا"، المنشور ضمن "حولية الدبلوماسية الثقافية" للعام 2021، الصادرة عن معهد العلاقات الدولية في جامعة تاراس شيفتشينكو الوطنية في كييف.