رحيل النحات ميخايلو هورلوفي: ربع قرن في حبّ لبنان


 

رحل النحات والشاعر ميخايلو هورلوفي. أغمض عينيه في قريته الأوكرانية تشيربانكوفكا عن اثنين وسبعين عامًا، قضى نحو ربع قرن منها في حبّ لبنان، حيث جسّده بعدد كبير من المنحوتات والقصائد، تمثّل جسرًا حيًا في التواصل الحضاري. رحيله خسارة كبيرة للأوساط الأدبية والفنية في موطنه أوكرانيا، أما هنا فكثيرون يعرفون منحوتاته المنتشرة في بيروت وجبل لبنان، وربما قليلون يعرفون كم أعطى هذا الفنان لبلادنا وكم آمن بها.

ترك ميخايلو نحو 16 منحوتة صخرية في لبنان، أذكر منها: "أغنية أوكرانية" في بلدة راشانا الجبليّة سنة 1998، "الأمازونية" في بلدة عاليه سنة 2000، "الربيع الغضّ" في بلدة رأس المتن، "الربيع" في عاليه، و"حورية البحر" في عمشيت سنة 2001، "الأمومة" في بلدة ذوق مكايل سنة 2002، "الشواطي" في مدينة جبيل سنة 2003، "السيدة" في ذوق مصبح سنة 2004، "العرائس" في بلدة ذوق مكايل سنة 2005، "العاشقان" في ذوق مصبح سنة 2006، "العطاء" في عاليه سنة 2009، "وإلهة الفكر" في عمشيت سنة 2010.. وصولاً إلى تمثال نصفي للمغنية الأوبرالية ليديا ليبكوفسكا في الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة – ألبا، في بيروت، عام 2021. 


في الشعر، لا تقل مسيرة هذا الفنان إبداعًا عنها في النحت، إذ أصدر ديوانه "شعرٌ في الحجر" الصادر سنة 2011، الذي ضمّ قصائد عن لبنان، وهو الرابع في مسيرته الشعريّة، التي بدأت مع "أنا دير في مهاوي تريبوليا" سنة 1996، وتابعت مع "أولاد الإله جاد" سنة 2000، ثم مع "الطريق إلى أوكرانيا" سنة 2006.


خصص السفير الأوكراني السابق في لبنان، البروفيسور إيهور أوستاش، صفحات من كتابه "الأوكران ولبنان" للحديث عن أعمال هورولوفي، كذلك ظهر في الفيلم الوثائقي الذي حمل العنوان نفسه، وهو من تأليف أوستاش وأخراج  ستانيسلاف ليتفينوف، حيث تحدث عن عمله.

 


ولد ميخايلو هورلوفي في بلدة تشيربانكوفكا الأوكرانية، سنة 1952، وأنهى "معهد كييف الوطني للفنون" سنة 1992، وخاض مسيرة وطنيّة إبداعية طيلة تسعينيّات القرن الماضي، وصولًا إلى الألفية الجديدة، التي ضمّت أعمال مرحلة الرشد في فنون نحت الصخر والحجر، والخشب والبرونز، وغيرها من الأعمال التي خوّلته أن تحفظ أعماله في عدد من المتاحف الوطنية الأوكرانية، والمتاحف والمجموعات الخاصّة العالمية في كندا والولايات المتحدة، وفنلندا، وفرنسا، وصربيا، والمغرب، وسوريا، وبريطانيا، وإسبانيا. وهو عضو "الاتحاد الوطني لفناني أوكرانيا"، و"الاتحاد الوطني لكتّاب أوكرانيا"، وكذلك عضو "الاتحاد الأدبي – رادوسين". أما رحلته اللبنانية فلها طعم خاص، حيث تشارك فيها على مراحل منذ العام 1998 ولأكثر من عشر سنوات مع رفيق دربه منذ سنوات الجامعة في كييف الفنان اللبناني العالمي بيار كرم، الذي تملأ أعماله لبنان نورًا وفلسفة محبَّة.

 

هورلوفي اللبناني

تعددت اللقاءات التي جمعتني بميخايلو هورولوفي في السنوات السبع الماضية، في أوكرانيا ولبنان. وكان اللقاء الأول به في قاعة المجلس العلمي في "مكتبة فيرنادسكي الوطنية الأوكرانية" خلال حفلة عرض كتابي "قصص بيروتية" مفاجأة صادمة لي، حين تحدث في الحفلة عن لبنان وقرأ بعض أشعاره، ثم أهداني دواوينه، التي تضمن بعضها صورًا لمنحوتاته في لبنان إلى جانب القصائد، في مسار إبداعي تمازجي بين الكلمة والمنحوتة. ثم تعددت اللقاءات على هامش النشاطات التي نظمتها السفارة الأوكرانية في لبنان او عند زياراتي كييف، قبل أن تتحول إلى لقاءات عن بعد في زمن كورونا، واندلاع الحرب على الأراضي الأوكرانية. 


إثر اللقاء الأول قبل سبع سنوات، شغلتني قصيدة كتبها في حب بيروت، ترجمتها إلى العربية شعرًا، قال فيها: 


"بيروتُ يُزهرُ ليلُها بالنُّور وهّاجا،

سيارةٌ تلو اختها... تنساب أمواجا،

كورنيشُها تلقى الأحبَّةِ فيه أفواجا،

حيثُ الجمالُ مجسّدٌ، والسحرُ في بيروت.

بين المطاعمِ والمقاهِي خافِقي عَانَى،

والكأس كان مزاجها شمسًا ورُمّانا،

والبحر رشَّ رذاذُهُ ملحًا وألوانا،

عمّدْتِني من عطرِه وهواكِ يا بيروت".


قرأت القصائد المخصصة للبنان مرة بعد أخرى، ووددت أن أماشي هورولوفي أفكاره المنظومة عن لبنان، أن أحشر شطرًا لا مكان له: "يغشى الحِسانَ برقّةِ تُمسيهِ سكرانا..."، أي كيف يمسي بحر بيروت ثملًا حين يلمس رذاذ أمواجه وجنات الصبايا المتمشّيات على كورنيشه. شاركته تلك الأفكار، فكانت حوارية مسلية بالفعل، استعدنا فيها ذلك الكلام القديم في كل مرة عن ترجمة الشعر شعرًا... وتناولت اللقاءات الأخرى مواضيع متنوعة في الأدب والفن. 


وفاءً لعطاء هذا الفنان الجميل، أورد هنا بعضًا من أشعار ميخايلو هورولوفي التي اخترتها للترجمة من قسم "لبنان" في ديوانه "شعر في الحجر":


جبيل، المدينة التي انتظرتني ردحًا من الزمن،

حين تلوّن أشعّة الشمس الرذاذ على الوجنات،

وتتناثر على شاطئها الصخري بصخب

***

يوم برتقاليُّ في البقاع،

تغشاهُ سحبٌ خفيضة لطيفة،

يصرخ الربّ من الجبال بقوس قزح،

ويضرب البحر من البعيد طبوله الصاخبة.

تحلم النجوم في ليل السهل،

والسماء الزرقاء هي ملكوت البعل،

ذاك العمود النحيف الرشيق،

الذي ينتصب في المعبد كربّة الحسن.

***

عند الشلال الأزرق المائل إلى الخضرة،

المنحدر على الجرف بلطف،

أقف بين قمم جبال من العنبر، ثملًا بعبق التين،

والصخور المعلّقة فوقي، كسحب بيضاء مقيمة،

وأعلى الجبل الأخضر، تشيب القمم بصمت.

***

الريح تعصف حاضنة الغبار،

تزفر كلسان لهب من هالة الشمس،

تشعر هنا بلسعة التنفّس الثقيل،

بين قعرين متورّمين - بحر وسماء.

***

الشمس تشعُّ بشراسة، على قمم لبنان –

وحدهُ الأرز يقفُ هنا في مملكته الخضراء،

يزهرُ وسط الجبال الشاهقة... بعمق.


المصدر: رحيل النحات ميخايلو هورلوفي: ربع قرن في حبّ لبنان، عماد الدين رائف، جريدة المدن، 4 نيسان 2024.