كان إيفان تروش شخصية فريدة. لم يكتف بأن يكون رسامًا بارعًا، بل كان أيضًا صاحب بيت مفتوح، يلتقي فيه كبار المثقفين على موائد العشاء وفي جلسات السمر. هناك، في ذلك البيت المضياف، جلس إيفان فرانكو، فاسيل ستيفانيك، ميخايلو هروشيفسكي، وغيرهم من أصحاب الأسماء التي صنعت تاريخ الثقافة الأوكرانية. أما تروش نفسه، فكان محاورًا لا يُملّ، قادرًا على الخوض في أي موضوع، يجد متعة خاصة في قراءة الفلاسفة الألمان بلغتهم الأصلية، ويهوى التصوير الفوتوغرافي حتى اقتنى آلة "كوداك" التي حفظت لنا صورًا نادرة لشخصيات أواخر القرن التاسع عشر.
ابن قرية صغيرة في غاليسيا، انتزع تعليمه الفني انتزاعًا رغم قلة المال، فامتدت سنوات دراسته إلى عقد كامل عاشه على الكفاف. لكنه خرج منتصرًا، يحظى بتقدير ورعاية أندريه شبتيتسكي الذي كان يقتني لوحاته.
اختلف النقاد والفنان حول تصنيفه: هل هو انطباعي أم واقعي؟ هو نفسه كان يرفض مصطلح "الانطباعية" الذي ترجمته زوجته أريادنا إلى "الانفعالية"، ويصرّ على أنه واقعي. وربما كان محقًا، فالمصطلح نفسه وُلد من مزحة نقدية أطلقها جان لوروا. كان تروش يرى نفسه أقرب إلى روح ديغا الذي أراد أن يسمي تياره "الكابوسيني" لأن الانطباعيين أكثروا من رسم زهرة الكبوسين.
زوجته أريادنا دراهومانوفا لم تكن بعيدة عن عالم الفكر، فهي ابنة المؤرخ والفيلسوف ميخايلو دراهومانوف، وابنة شقيقة أولينا بتشيلكا، وابنة عم ليسيا أوكراينكا. ومعها جاب تروش العالم: إيطاليا، مصر، فلسطين، والقرم الذي خصّه بسلسلة لوحات بعنوان "رحلات في القرم".
كان أنيقًا إلى حد أن أحدًا لم يره بلا بدلة سوى زوجته. ربطة العنق على هيئة فيونكة كانت علامته المميزة، وبها يُعرف في الصور. خلّف وراءه إرثًا هائلًا: 350 بورتريه لشخصيات أوكرانية بارزة، 180 لوحة لنهر الدنيبر، وما يزيد على ستة آلاف لوحة من مناظر طبيعية ومشاهد يومية وزهور وعمارة.
لكن أكثر المواقف إثارة للجدل كانت مع ليسيا أوكرينكا. ففي عام 1900 رسم لها بورتريه بطلب من جمعية شيفتشينكو العلمية، ثم أنجز نسخة ثانية وباعها إلى جامع تحف بولندي. غضبت الشاعرة، إذ لم تكن تنوي أن تُرسم لصالح أرستقراطي، بل لمؤسسة علمية. طالبت باسترداد النسخة، لكنه لم يستطع، فكان ذلك موقفًا محرجًا ظل يُذكر في سيرته.
اليوم، في ذكرى ميلاد إيفان تروش، نتذكره لا كرسام فحسب، بل كصانع صور المثقف الأوكراني، وكشاهد على زمنٍ كان فيه الفن مرآةً للروح الوطنية. أعماله ما زالت تُدهش الأجانب وتثير إعجابهم، فيما تبقى لنا نحن علامة على أن الفن الحقيقي لا يشيخ.

