أغاتانغل كريمسكي: عبقرية لا تنتمي لشعب واحد


كتبت ياروسلافا ريزنيكوفا 

في موقع " كرونيفنيستكي تشاس تايم"

في 15 يناير، مرت 155 سنة على ميلاد أغاتانغل كريمسكي – العالم الشهير المتخصص في الشؤون الشرقية، والتركيات، والمترجم، والموسوعي الكبير، ومتعدد اللغات، والمؤرخ، والأديب، والباحث في الأديان والفولكلور، والكاتب، الذي أتقن أكثر من 60 لغة!

وُلد عام 1871 في فولوديمير-فولينسكي، وأصبح أحد أبرز علماء اللغة والمتخصصين في تاريخ وثقافة الشرق في العالم. ظهرت موهبة أغاتانغل كريمسكي اللغوية منذ الصغر. في عمر الثلاث سنوات ونصف كان يستطيع القراءة، وفي الخامسة دخل المدرسة في زفينيهورودكا، حيث انتقلت العائلة. تبع ذلك دراسته في ثانويتي أوستروه (أوستروغ) وكييف، ثم الالتحاق بكلية هالاهان (غالاغان). في ثانوية أوستروه الإعدادية، تعلّم البولندية والفرنسية والإنكليزية والألمانية، وفي كلية هالاهان أتقن اليونانية والإيطالية والتركية.

في عمر 18 عامًا، كان كريمسكي يتقن 8 لغات إتقانًا تامًا، وقبل نهاية حياته أتقن أكثر من ستين (يذكر باحثون أرقامًا تتراوح بين 56 ومئة، مشيرين إلى أنه كان يدرس ليس فقط اللغات، بل أيضًا اللهجات والتنويعات المحلية المختلفة). كان العالم نفسه يمزح قائلًا إنه من الأسهل العثور على لغة لا يعرفها، من أن يحصي كم لغة يعرفها.

وُلد أغاتانغل كريمسكي في عائلة تتحدث الروسية. كان والده، من أصل تتاري مع جذور بيلاروسية، مدرسًا للتاريخ والجغرافيا، ومؤلفًا لكتب مدرسية ودراسات محلية شائعة في ذلك الوقت. أما والدته، فتعود أصولها إلى عائلة بولندية-ليتوانية. ذكرت المؤرخة غولنارا عبد اللهيفا في برنامج "الثقافة في وقتها" على قناة "سوسبيلييه كولتورا" أن هناك أسطورة تقول إن جَد كريمسكي الأكبر كان مفتيًا (مُلا)، أي شخصية دينية، خبيرة في الطقوس الإسلامية – في باختشيساراي. لكنه تشاجر مع خان القرم وغادر إلى أراضي بيلاروسيا الحالية، إلى مدينة مستيسلافل. كان يعيش في تلك الأراضي آنذاك مجتمع تتار بولندا-ليتوانيا. وفقًا للمؤرخة، يمكن الافتراض أن الجد الأكبر تزوج هناك من فتاة محلية من تتار القرم. يُعتقد أن لقب "كريمسكي" (أي "القرمي") ظهر آنذاك. وقالت غولنارا عبد اللهيفا: "تحول ابنهم لأسباب غير واضحة إلى المسيحية، وحصل على اسم ستيبان، وتزوج من سيدة محلية. لا نعرف من هي. من هذا الزواج وُلد والد أغاتانغل كريمسكي".

أيقظت فيه حب أوكرانيا في سن مبكرة كتابات يوري فيدكوفيتش، وكذلك دروس "اللغة الروسية" (الأوكرانية) التي كان يقدمها بافلو جيتيتسكي. يقول في سيرته الذاتية: "ذات مرة أخذت روايات فيدكوفيتش مع مقدمة دراهومانوف، وقرأتها، فاستنارت بنور جديد. فهمت أنه يجب أن أكون محبًا لأوكرانيا، هذا ما أدركته بوعي تام. وهكذا تعلقت بأوكرانيا بشغف. كل دقيقة فراغ من 'الواجبات الرسمية' كنت أكرسها لأوكرانيا. العلامة الأولى للقومية هي اللغة، فاهتممت بها أولاً، وقرأت بانتباه كل أنواع الكتب، وأوليت أهمية خاصة للمواد الإثنوغرافية، وقرأت جميع الأعمال اللغوية". في عمر 19 عامًا، راسل أغاتانغل كريمسكي إيفان فرانكو. كما كان يراسل بوريس غرينشينكو، وميخايلو بافليك، وأولها كوبيليانسكا، وبحنان خاص مع ليسيا أوكراينكا. ربما هذا ليس غريبًا، لأن كليهما وُلدا في عام 1871، وكانا متقاربين في السن ولديهما الكثير من الموضوعات المشتركة والمثيرة للمناقشة. وأيضًا، عندما كان يدرس في كلية غالاغان، كان مفتونًا بترجماتها لأشعار هاينه.

تؤكد أوريسيا فوزنيوك أن هذين "القلبين الفولينيين" التقيا عام 1886 في حفل للموسيقار نيكولايسينكو في الجمعية الأدبية الفنية في كييف، ولم يترك أحدهما الآخر بعد ذلك أبدًا. أهدت ليسيا أوكراينكا قصيدتها الدرامية الشعرية "في السراديب" إلى "الأخ المحترم أ. كريمسكي". يقول الباحثون الذين يدرسون مراسلاتهما إن العلاقة لم تكن صداقة عادية، بل كانت حبًا سريًا من أغاتانغل للأديبة الشهيرة. كما يذكرون قصيدة كرسها بافلو تيتشينا لكريمسكي بمناسبة عيد ميلاده الستين، والتي تحدثت صراحة عن "ليسيا أوكراينكا الحالمة الأبدية".

حافظ أغاتانغل كريمسكي على معارف شخصية أيضًا مع أبرز الشخصيات الثقافية والتعليمية والأدبية للتتار القرميين: الكاتب إسماعيل غاسبرينسكي، وعالم اللغة إسماعيل ليمانوف، والشاعرين بكير شوبان زاده وعبد الله لطيف زاده. وزار القرم أكثر من مرة.

بعد تخرجه من الكلية، انتقل إلى موسكو، حيث درس في معهد لازاريف للغات الشرقية. من المدهش أنه في موسكو كان يتحدث الأوكرانية، وحشد حوله أشخاصًا متشابهين في الرأي. بعد تخرجه من المعهد، حصل عام 1896 على منحة من معهد لازاريف لمدة عامين، كان من المفترض أن يقضيهما في البلاد العربية وأوروبا الغربية.

في 2 تشرين الأول/ أكتوبر 1896، أبحر أغاتانغل كريمسكي على متن السفينة "أوديسا" متجهًا عبر خط القسطنطينية-بيروت. مكث كريمسكي في لبنان من 13 تشرين الأول/ أكتوبر 1896 حتى 14 أيار/ مايو 1898. هناك تلقى تدريبًا عميقًا كمستشرق، وكانت التخصصات الرئيسية له هي الفيلولوجيا العربية، والإسلام، والأدب العربي. بالإضافة إلى ذلك، أتقن اللغة الفارسية وآدابها، وكذلك اللغة التركية وآدابها تمامًا. مدد إقامته في بيروت لمدة عام آخر، متنازلًا عن عام الدراسة في إحدى الجامعات الأوروبية الغربية. في ذلك الوقت كان عمره خمسة وعشرين عامًا، وكان يتقن بالفعل سبع عشرة لغة.

من المثير للاهتمام أنه في رسالته إلى والده يوخيم ستيبانوفيتش بتاريخ 20-22 تشرين الأول/ أكتوبر 1896 من بيروت، وصف أغاتانغل كريمسكي هذه المدينة بأنها العاصمة الفكرية لسوريا (في تلك الأوقات كانت بيروت مع الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط جزءًا منها) وقارنها بأوديسا: "بيروت هي مركز الحياة الفكرية في سوريا، لكنها أشبه بأوديسا العربية، وليست موسكو أو كييف العربية. نعم. أوديسا". خلال مدة إقامته في لبنان، كتب أغاتانغل ما يقرب من 180 رسالة، منها 150 موجهة إلى أهله، وحوالي 30 إلى أصدقائه وزملائه. في كثير من الحالات، كُتبت الرسائل في شكل مذكرات يومية وتحتوي على معلومات مفصلة للغاية عن الأحداث المذكورة.

ملاحظاته اليومية، وعلاقاته مع الجيران والتجار، وكذلك مشاركته في الحياة العامة لبيروت، شكلت أساس "قصص بيروتية"، التي كُتبت عام 1897 ونُشرت للمرة الأولى في مجلة "نوفا هرومادا" عام 1906 (الأعداد 6،7،8).

عند عودته إلى موسكو، بدأ التدريس، وأصبح أستاذًا للأدب الشرقي (في عمر 30 عامًا)، وكتب سلسلة من الكتب المدرسية، وترجم القرآن إلى الروسية. أثناء حكم الهيتمان سكوروبادسكي عام 1918، عاد كريمسكي إلى كييف. حصل على منصب السكرتير العلمي للأكاديمية الوطنية الأوكرانية للعلوم التي أُنشئت حديثًا. كما ترأس قسم الفيلولوجيا العربية-الإيرانية والقسم التاريخي الفيلولوجي، وعملت تحت إدارته لجنتا الإملاء واللهجات، ومعجم اللغة الحية، وتاريخ اللغة.

في عام 1919، مع وصول البلاشفة، وُضع وجود الأكاديمية على حافة البقاء. كان كريمسكي يتوسل للحصول على حصص غذائية وملابس للموظفين، وكان يحضر معهم الحطب لتدفئة المبنى الذي كان باردًا لدرجة أن الحبر كان يتجمد. بفضل أغاتانغل كريمسكي، أمكن إنقاذ الأكاديمية من الدمار، وتوسيعها لاحقًا وإثراء مكتبتها. في نفس الفترة، كان البروفيسور يدرّس في جامعة كييف، مؤسسًا مدرسة كاملة للاستشراق في العلوم الأوكرانية، وكتب سلسلة من الأعمال التي أثبت فيها الصلة القوية بين ثقافة ولغات الشرق الأوسط وأوكرانيا. في عام 1921، أصبح مديرًا لمعهد اللغة العلمية الأوكرانية.

من بين أعماله أبحاث في المعجمية والمعجمية الأوكرانية، وعلم اللهجات، والإملاء، والأدب الأوكراني، والفولكلور والإثنوغرافيا. أغاتانغل كريمسكي هو مؤلف "قواعد اللغة الأوكرانية" (1907-1908)، و"مخطوطات من تاريخ اللغة الأوكرانية ومواد مختارة من آثار أوكرانيا القديمة في القرنين الحادي عشر والسابع عشر" (1922)، و"برنامج لجمع مميزات اللهجات الأوكرانية" (1910). للمناسبة، تحتفظ المكتبة الوطنية العلمية في أوديسا بنسخ قيمة من أعمال أغاتانغل كريمسكي من حياته، بما في ذلك "قصص ومشاهد من الحياة الأوكرانية" (1895) ومجموعة "سعف النخيل" (1902). يحتوي قسم الطبعات النادرة والمخطوطات على مواد تشهد على إرث المستشرق والشخصية الأوكرانية البارز. في عام 1921، كان قد فقد بصره تقريبًا، فأصبح ميكولا ليفتشينكو سكرتيره ومساعده الدائم، الذي تبناه لاحقًا. في عام 1929، أُوقف ليفتشينكو في قضية "اتحاد تحرير أوكرانيا". تبع ذلك خمس سنوات من النفي، وبعد عودته انتحر. شكلت هذه الأحداث ضربة قاسية لكريمسكي.

في عام 1929، بدأت أجهزة العقاب في ملاحقة كريمسكي نفسه. وفي أوائل الثلاثينيات، أُبعد عن مناصبه، وحيث لم يتمكنوا من فصله أُلغيت المؤسسة نفسها. في عام 1941، أُلقي القبض عليه باعتباره "أيديولوجي القومية البرجوازية الأوكرانية، الذي ترأس لسنوات النشاط السري القومي"، لأنه كان صديقًا مقربًا وحليفًا لـسيرهي أوليكساندروفيتش يفرموف، الذي اتُهم بتنظيم "اتحاد تحرير أوكرانيا". نُفي مع ممثلي المثقفين الأوكرانيين (بمن فيهم عضو المجلس المركزي، الكاتبة والناشطة العامة ليودميلا ستاريتسكا-تشرنياكيفسكا) إلى كازاخستان. مصير أغاتانغل كريمسكي اللاحق غير معروف. وفقًا للرواية الرسمية، توفي في 25 كانون الثاني/ يناير 1942 في مستشفى سجن كوستاناي. ومع ذلك، لم يتم العثور على مكان دفن العالم البارز حتى الآن.

لعدم وجود جريمة، أُعيد تصنيف قضية أغاتانغل كريمسكي في 8 أيار/ مايو 1957، وفي عام 1960 أُعيد الاعتبار له بشكل تام.

في عام 2017، قام عماد الدين رائف، عضو اتحاد الكتاب اللبنانيين واتحاد الصحفيين العرب، والمتخصص في الدراسات الأوكرانية، بترجمة "قصص بيروتية". للمرة الأولى منذ 120 عامًا، إلى العربية. تولت السفارة الأوكرانية في لبنان الترويج لهذا الكتاب في أوكرانيا، بجهود السفير فوق العادة والمفوض لأوكرانيا في لبنان (2016-2022) إيهور أوستاش. يؤكد الباحثون أن "قصص بيروتية" لكريمسكي هي على الأرجح الوثيقة الوحيدة التي تصف نظام العملتين الذي كان ساريًا آنذاك في بيروت، وتضيف الكثير من المعرفة الجديدة عن تاريخ هذه المدينة. رواية كريمسكي تتيح لنا رؤية حياة تلك المرحلة حرفيًا، وسماع لهجات أهل بيروت، وفهم ما كان يقلقهم. كانت جميع النصوص الأخرى في ذلك الوقت رسمية تقليديًا.

المصدر: عبقرية لا تنتمي لشعب واحد، ياروسلافا ريزنيكوفا/ موقع "كرونيفنيستكي تشاس تايم"، الأحد، 25 كانون الثاني/ يناير 2026