أغاتانغل كريمسكي في ذكرى ولادته الـ155: عن بيروت الجمال والحبّ



"أنظر إلى لبنان، هنا، حيث يتنفّس البردُ

حيث القوسُ الجبليّةُ الخضراء والندى الساحرُ..

بساتين تكتسي بالزهر تتدثّر بالربيع.

هنا، خلف السحابة حيث أختبئ،

ثلوجٌ عميقة عميقة، وصخورٌ جليديّة

من تحت القوس طارت حشرةٌ زرقاء

مرّت بي بهدوء، وأهدتْني ابتسامة.

في ظلّ أرزةٍ هنا، تنازعُ زهرةً شاحبة

تصارع جليداً عنيداً يحاصرها بغضب

هو ذا حبّي ينازع ويحترق بهدوء

وحريقه يُلهِب كياني كلّه".

(أغاتانغل كريمسكي، من ديوان "سعف النخيل")




تحلّ الذكرى الـ 155 لميلاد الأكاديمي البارز في الدراسات الشرقية أغاتانغل كريمسكي، الذي يعتبر أحد الباحثين الرئيسيين في إثنوغرافيا لبنان في القرن التاسع عشر. وهو مؤلف مجموعة "قصص بيروتية" وديوان "سعف النخيل"، و"تاريخ الأدب العربي الحديث"، إلى جانب عشرات الرسائل التي كتبها من بيروت إلى أهله في أوكرانيا، والتي جمعت في كتاب "رسائل من لبنان".

حصل كريمسكي، في عام 1896، على منحة دراسية من معهد لازاريف للغات الشرقية في موسكو لمدة عامين، كان من المفترض أن يقضي أحدهما في بلد عربي. لكنه مدد إقامته في بيروت عاماً إضافياً، متخلياً عن الدراسة في إحدى الجامعات الأوروبية الغربية. كان آنذاك في الخامسة والعشرين من عمره. أبحر كريمسكي من ميناء أوديسا في 2 تشرين الأول/ أكتوبر 1896، ووصل إلى بيروت بعد أحد عشر يوماً، وبقي فيها حتى 14 أيار/ مايو 1898. كانت بيروت آنذاك عاصمة ولاية كبيرة تحمل اسمها. ووصف كريمسكي المدينة، في إحدى رسائل إلى شقيقته ماريا، بأنها "مركز الحياة الفكرية في سوريا. إنها أشبه بأوديسا. ليست موسكو أو كييف العربية، بل أوديسا العربية".

خلال مدة وجوده في بلادنا، كتب كريمسكي نحو 180 رسالة، منها 150 إلى أهله بالروسية، ونحو 30 إلى أصدقائه وزملائه بالأوكرانية. تحتوي هذه الرسائل على الكثير من التفاصيل عن الحياة اليومية في بيروت والشوير خلال مدة إقامة كريمسكي فيهما. وقد اعتنت الأكاديمية إيرينا سمليانسكايا بطباعة هذه الرسائل، بعد احتفال الأمم المتحدة بمرور قرن على ولادة كريمسكي سنة 1971، الذي اعتبرته من أبرز الشخصيات العلمية العالمية. صدرت هذه الرسائل ضمن مجموعة أعمال كريمسكي في كييف بعنوان "رسائل من سوريا ولبنان" (المجلد الثاني من الجزء الخامس، 1974)، وصدرت في موسكو في كتاب منفصل بعنوان "رسائل من لبنان. 1896-1898" (1975). 

وقد لحق الظلم بهذا الكتاب عربيًا، فقد ظهرت ترجمة أجزاء من "رسائل من لبنان" في كتاب "بيروت وجبل لبنان على مشارف القرن العشرين: دراسة في التاريخ الاجتماعي" للكاتب مسعود ضاهر (دار المدى، 1985). فمجموعة الرسائل التي أرسلها كريمسكي إلى أهله سواء أترجمت كلها أو لم تُترجم إلا أنها لم تُنشر كاملة، فقد حُذفت أجزاءٌ من بعضها، فيما حُذف بعضها الآخر بالكامل، وجُهِّل متلقي الرسالة. كما ضُمَّت أجزاء من الرسائل بعضها إلى بعض. والخلاصة أنَّ ما تبقى من تلك النصوص جُمع وتُرجم ونُشر، ما أفقد النسخة العربية صفة الوثيقة التاريخية الإنثروبولوجية عن بيروت على عتبة القرن العشرين، وإن كان الكتاب قد حافظ على الملامح العامة للحياة الاجتماعية. حين عكفت على ترجمة مجموعة "قصص بيروتية"، لم تفلح محاولاتي لمعرفة ما إذا كان مترجم السفارة السوفياتية في بيروت يوسف عطالله قد ترجم كتاب "رسائل من لبنان" بالكامل في البداية، ثم لحق به الاختصار والحذف قبل الطبع، أم أن الاختصار والحذف حدثا قبل ترجمة النصّ إلى العربية. كما أن زيارتي للأكاديمية الكبيرة إيرينا سميليانسكايا، في منزلها شمال شرق موسكو (2017)، لم تحلّ هذه الإشكالية، فقد تفاجأت سميليانسكايا بنتيجة مقارنتي بين الأصل والترجمة. على أي حال، لا يجمع كتاب "المدى" كل ما وصلنا من رسائل كريمسكي فهو يضمّ جزءاً من رسائل المستشرق الشاب إلى أهله باللغة الروسية، لكن الرسائل كتبها إلى زملائه وأساتذته بالأوكرانية لم تترجم. كما أن الرسائل المفقودة لم تتوقف عن الظهور خلال السنوات الماضية (على سبيل المثال، رسالتان بالروسية أرسلهما كريمسكي إلى أستاذه نيقولاي فيسيلوفسكي من بيروت والشوير، نشرتا "المدن"، 2021).


كريمسكي في بيروت

في أول رسالة كتبها إلى والده يوخيم، يقول: "بيروت مدينة جميلة بشكل مدهش. تغرق كلها في الحدائق. وشوارعها أوروبية تقريباً، ومشهد البحر رائع، ومبانيها أنيقة. الطراز السائد هو المغربي. لكن السكان بشكل عام ليسوا مسلمين، بل معظمهم من المسيحيين. وهم يتقبلون الثقافة الأوروبية بسهولة". أسرت المدينة العالم الشاب بجمالها فوراً، يكتب إلى شقيقه: "وفي أي ساعة من النهار، بيروت جميلة، حتى في حرّ النهار، وأنت مغطى بالعرق، لا تستطيع إلا الإعجاب بكل ما حولك. هذه أجمل مدن الشرق التي رأيتها. لو كانت الغرف ذات أرضيات خشبية، لا حجرية، ولو وجدت المدافئ (لصدّ الرطوبة)، لكانت بيروت الجنة نفسها. القسطنطينية جميلة من البحر، لكنها قبيحة من الداخل، أما بيروت فجميلة من الداخل أيضاً، ونظيفة".

وفي رسالة أخرى كتب: "وجدت نفسي فجأة، بغير قصد، خارج المدينة، على مرتفع عال، ووقفت مصدوماً من الدهشة. إلى اليسار بيروت كلها كما لو أنها على كف اليد، وإلى اليمين، في الأسفل، يتغلغل خليج بيروت عميقاً في لبنان. وهنا يصب نهر بيروت، وعلى طول الخليج تمتد الحدائق والبساتين والفلل خارج المدينة، وأنا من مرتفعي بالكاد أستطيع تمييز البيوت البيض الصغيرة هناك في الأسفل وسط الخضرة. ثم، وراء السهل الساحلي، سلسلة جبال محاطة بالضباب المنسدل على المنحدرات. قمة أحد الجبال أعلى بكثير من الضباب. كنت أحدق ونسيت نفسي. أظنني حدّقت في المشهد لأكثر من ساعة، واقفاً بلا حراك، لم أبرح مكاني". وبعد نحو سنة على خلوله في بيروت، يضيف: "رأيت البحر يحوطها كحزام من جميع الجوانب تقريباً، تفحصت كل ضواحي بيروت النائية، لكن الأجمل كان المدينة نفسها، بيروت. ما أكبرها، ما أجملها، ما أروعها! في شروق شمس الصباح، كانت تتنفس نضارة وكان لونها وردياً ناعماً، والبحر عند قدميها أزرق فاتح اللون. في تلك اللحظة، شعرت بقوة كيف تعلقت بهذه المدينة الجميلة. بالتأكيد أصبحت قريباً لها، وهي بالنسبة لي وطني الثاني".

في بيروت، استقر كريمسكي في منزل عائلة أستاذه من معهد لازاريف للغات الشرقية ميخائيل عطا الله، في حي الرميل الأرثوذكسي الرميل، قرب الأشرفية. كتب الكثير عن المسكن، عائلة أستاذه، العلاقات الأسرية، الجيران، الحي، العادات والتقاليد في المأكل والملبس. كتب عن الأحياء القريبة والأسواق التجارية والسلع والبائعين والمشترين، عن المرفأ والتجار والمحال الضخمة والمخازن، عن البريد والمواصلات بالعربات والعربجية والأجرة... عن المدارس والكليات والدراسة الجامعية، عن الصحف والمنشورات واللغات المعتمدة واللهجات في "زهرة سوريا". لم يفوت شيئًا إلا ودوّنه في تلك الرسائل. 





قصّة حبّ

تختفي قصة حبّ كريمسكي البيروتية وراء عمله الأكاديمي، إلا أنه مدين لبيروت التي جعلت منه قاصًا بعد كتابته مجموعة "قصص بيروتية" (1897)، ومدين لها أيضًا لأنه التقى فيها بفتاة عشقها، وهي المعلمة الروسية ماريا كامينسكايا، التي عملت في مدرسة "باكورة الإحسان" (زهرة الإحسان) ضمن فريق معلمات "الجمعية الإمبراطورية الفلسطينية الأرثوذكسية". وبذلك مدين أيضًا لبيروت التي دفعته إلى نظم الشعر فجمع أشعاره في ديوان "سعف النخيل". 

كان كريمسكي يتردد على المعلمات يومياً في فترة استراحتهن بعد الدروس. 

في رسالة إلى أخيه يوخيم، يخبره أن "إحدى المعلمات الروسيات، ماريا أليكسييفنا كامينسكا، لم تعد تتحمل الحياة في بيروت (هي مريضة تماماً، وأكثر ما تعانيه الروماتيزم) وستغادر بعد 25 تشرين الثاني/ نوفمبر (1896) إلى روسيا، ربما في بداية كانون الأول/  ديسمبر". وفي الرسالة التالية بتاريخ 7 كانون الأول/ ديسمبر 1896 "يكشف المستور"، ويكتب: "بعد غد تغادر ماريا أليكسييفنا كامينسكا من هنا إلى روسيا. ستصل إلى موسكو في نهاية كانون الأول/ ديسمبر. سأكون ممتناً جداً لو استقبلتم ماريا أليكسييفنا بحرارة وبأفضل طريقة، ولو عرضتم عليها حتى المبيت عندكم. يبدو أنها تنوي قضاء يوم واحد فقط في موسكو.


اسأل ماريا أليكسييفنا عن أمرين: هل اشترت لي في القسطنطينية طوابع الجمعية الروسية للملاحة والنقل، من فئة الخمسة كوبيكات... ولدي طلب سري. استعلم من ماريا أليكسييفنا (لكن ليس مباشرة، بل بالتلميح)، هل توافق على الزواج مني. فقط، من فضلك، اسألها ليس نيابة عني، بل من تلقاء نفسك". 

لكن بعد أسبوع، أصيب هذا الأمل بالفشل الذريع. في رسالته التالية إلى أخيه، وصف أغاتانغل بالتفصيل اللحظة الحاسمة في علاقته بماريا. يتضح من الرسالة أن كريمسكي لم يجرؤ على طلب يدها طول مدة تردده عليها في المدرسة. وفعل ذلك في اللحظة الأخيرة، عند الوداع. كتب: "لا تخبرني برد ماريا أليكسييفنا على السؤال الذي طلبت منك طرحه عليها. أعرفه الجواب بالفعل. كانت آخر كلمة ودعتها بها على متن الباخرة: 'لقد فقدت عقلك! حدث هذا قبل ثوانٍ من مغادرة الباخرة... كنت آخر من ودعها، وتلقيت الردّ على سؤالي. لم يكن هناك وقت للرد. ركض مساعد القبطان وصرخ ببعض التلهف: المودّعون، أخلوا السفينة! وسُمعت الصافرة الثالثة. اندفعنا نحو السلم، ونزلنا بسرعة إلى زورقنا الصغير. زمجرت الباخرة واتجهت شمالاً، واتجه زورقنا نحو الرصيف. وقفت كامينسكا على سطح الباخرة، عند السور، وحدقت بنا... كنت أحدق بصرامة في الماء، لا في الباخرة المبتعدة. استدارت واختفت كامينسكا عن الأنظار. كان المجذفون يجدفون بسرعة، والفتيات المعلّمات في القارب صامتات. وحدها رئيستهن العجوز، يكاترينا شميدت، قالت بين أسنانها كأنها تحدث نفسها: أن يطلب يدها تحت صوت الصافرة الثالثة... وأمام الجميع، في العلن... وكأنه لم يكن هناك وقت في بيروت على الشاطئ... هذا، بالطبع، جنون! حسناً! لقد فقدت عقلي حقاً".

كتبت سميليانسكايا عن عدد من قصائد كريمسكي التي نظمها تحت وطأة عشقه لماريا كامينسكايا. بينها قصيدتان ("في النفس قلق ما" و"قطعت الحديث. في عيني ضباب...")، كُتبتا مباشرة بعد أول لقاء جمعه في 20 تشرين الأول/ أكتوبر 1896. أما قصيدة "ببريق أحمر خَسِف القمر..." فكتبت بعد مغادرة كامينسكايا بيروت إلى روسيا. طبيعة بيروت، التي تهدئ الإنسان، وكأنها تجعله أسعد، ألهمت الشاعر في كانون الثاني/ يناير 1897 إلى نظم مرثية مليئة باليأس، مطلعها "غربت الشمس في السحب القاتمة". ومنها:

"في سَحَر ما قبل الفجر

أرى ليلى في الحلم:

حبيبتي! أتريدين منحي سعادة

كانت محرمة علي؟

أجابت: لا، اتركني

وتجرع النسيان.

- لن أتركك أو أنسى:

فأنت كل حياتي!".