صدرت أخيرًا عن "دار صفصافة" في القاهرة الترجمة العربية لرواية "فريدة" للكاتبة إيرين روزدوبودكو. وكان الأصل الأوكراني لهذه الرواية قد صدر عن دار "نورا-دروك" عام 2021. فور صدور رواية "فريدة" في كييف، أدركتُ أهمية المعالجة الأدبية لمأساة شعب تتار القرم، وضرورة إيصال هذه الرواية إلى القارئ العربي. ولأن دار "نورا-دروك" توفر فصولًا من كتبها على موقعها الإلكتروني، قرأتُ نص "فريدة" وانبهرتُ بأسلوب إيرينا روزدوبودكو الرائع ووصفها المتقن، بعدما كنت قد تعرفتُ إليها عبر روايتها الشهيرة "الزّر"، التي ترجمتُ منها فصلًا بناءً على طلب إحدى دور النشر الكويتية، إلا أن هذه الرواية لم يُكتب لها أن تُترجم إلى العربية. عملت على ترجمة فصل من "فريدة" ونشرته في مدونة "دفاتر الأدب الأوكراني"، واستمعت إلى آراء عدد من الزملاء الكُتّاب والمترجمين، لعلمي بأن قضية تتار القرم ليست غريبة عن القارئ العربي بشكل عام، والمصري بشكل خاص.
بعد مأساة عام 1944، انطلقت حملات توعية في القاهرة حول الظلم الذي لحق بشعب تتار القرم، قادها ممثل "اللجنة العليا للدفاع عن مسلمي القرم" يوسف ولي شاه أورالكيراي، الذي كان باحثًا بجامعة الأزهر ومدرّسًا في الكلية الفرنسية للبنات بالمدينة. وكان لجامعة الأزهر دورٌ هام في تسليط الضوء على هذه المأساة، حيث طرح أمينها العام وعضو مجلس الشعب المصري، محمد عبد اللطيف الدرّاز، الأمر على البرلمان وألقى كلمةً وجهها إلى الشعب المصري، دعاه فيها إلى نصرة شعب تتار القرم المظلوم، واستقبال اللاجئين الوافدين إلى مصر عبر أوروبا. وثّق الكاتب أورالكيراي الجهود المبذولة خلال أربعينيات القرن الماضي في كتابه "كارثة القرم الإسلامية في الاتحاد السوفياتي"، الذي قدّم له الكاتب العربي الكبير عباس محمود العقاد، وصدر في القاهرة في في آب/ أغسطس 1950. ولا يزال هذا الكتاب يُعدّ من المصادر العربية القليلة التي تناولت هذه المأساة.
واليوم، انضمت رواية "فريدة" بترجمتي العربية إلى رواياتها الخمس السابقة، وأصبح لدينا نواة مكتبة تضمّ عددًا من الروايات الأوكرانية الحديثة المترجمة إلى العربية مباشرة، من دون المرور بلغات وسيطة أخرى. هذه الروايات هي: "أجنبية في سيارة حمراء" لمارينا هريميتش (بيروت: الدار العربية للعلوم، 2020)، "زمن الأحجار المتناثرة" لفولوديمير سامويلينكو (القاهرة: دار صفصافة، 2021)، "هناك حيث يختفي البشر" لأندريه كوكوتيوخا (بيروت: الدار العربية للعلوم، 2022)، "الأشجار النحاسية" لليوبكو ديريش (القاهرة: دار صفصافة، 2023)، "الرغبة الأخيرة" ليفهينيا كونونينكو (القاهرة: دار صفصافة، 2024). بالإضافة إلى رواية إيرين روزدوبودكو "اثنا عشر، أو تربية المرأة في ظروف غير مناسبة للحياة"، التي ترجمتها إلى العربية الزميلة أولينا خوميتسكايا (القاهرة: المكتب المصري للنشر، 2024).
بداية القصة
لم أكن أخطط لترجمة الروايات الأوكرانية الحديثة إلى العربية. كنت أعمل على مشروعي الخاص لترجمة كل ما كُتب عن بلاد الشام باللغات السلافية إلى العربية، لا سيما وأن نصوص الرحالة والحجاج والكتاب الذين زاروا بلادنا لم تحظَ بأي اهتمام يُذكر خلال الحقبة السوفياتية، وكادت أن تُنسى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وقد آزرني في هذا الهمّ الزميل الناشر هادي بكداش، ونشرت عددًا من الكتب في "دار المصور العربي" في بيروت. لكن حصولي على نسخة مطبوعة من رواية "أجنبية في سيارة حمراء" لمارينا هريميتش في معرض أبوظبي الدولي للكتاب سنة 2018 غيّر تفكيري كثيرًا.
من ناحية، أعجبتُ بقدرة الكاتبة على فهم تعقيدات المجتمع اللبناني متعدد الطوائف ومشاكله بعمق، وعرضها للقارئ من خلال قصص نساء أوكرانيات متزوجات من شبان لبنانيين. بعد وصولها إلى بيروت بفترة وجيزة، نجحت مارينا هريميش في السير على خطى الكاتب واللغوي الكبير أغاتانغيل كريمسكي (1871-1942)، الذي ألّف بعد وصوله إلى الشرق مجموعة "قصص بيروتية" (1897). وقد تمكّنت الكاتبة من تضمين عدد كبير من الحقائق الإثنوغرافية والأنثروبولوجية عن المجتمع اللبناني: الطعام، والملابس، والعادات والتقاليد والمعتقدات الشعبية، وطرق التواصل مع الضيوف والنساء الأجنبيات... وصاغت كل ذلك بلغة حيّة وأسلوب فكاهي مفعم بالبهجة. آنذاك، شعرتُ أنني مدينٌ لمارينا هريميش، التي كانت شغوفةً بتنفيذ العديد من المشاريع الثقافية المبتكرة، كونها زوجة سفير أوكرانيا في لبنان إيهور أوستاش (2016-2022). كانت هذه المشاريع الثقافية استثنائيةً بحق، لذلك أردتُ أن تكون الترجمة العربية لروايتها هدية متواضعة. ومع ذلك، في العام نفسه، بدأ معهد الكتاب الأوكراني أنشطة دعم الترجمة وحقوق النشر، فنُشرت الترجمة العربية في بيروت. قبل صدور رواية "أجنبية في سيارة حمراء"، التقيتُ بالكاتب فولوديمير سامويلينكو، وأهداني نسخةً موقعةً من كتابه "زمن الأحجار المتناثرة" (كييف: نيكا-سنتر، 2015). كان الكاتب ضمن وفدٍ من الناشرين الأوكرانيين الذين شاركوا في فعاليات الأيام الثقافية الأوكرانية التي نظمتها سفارة أوكرانيا في لبنان ضمن فعاليات معرض بيروت العربي والدولي للكتاب في كانون الأول/ ديسمبر 2017. جاء طلب ترجمة الرواية من الناشر محمد البعلي، فأكدتُ له أنني قرأتُ الكتاب مُسبقًا وأعجبني، فصدرت الترجمة في القاهرة أواخر سنة 2021. أكثر ما لفت انتباه القراء في هذه الرواية هو أنها تحكي عن الصداقة بين شخصياتها، وتناولت بشكل واف عالم الطباعة والنشر في أوكرانيا الحديثة. ولعل شخصية الطالب المصري الذي جاء إلى كييف للحصول على الدكتوراه، وإن لم تكن الشخصية الرئيسة، لامست واقع الطبقة الثرية في المجتمع المصري، وكانت لمسة ذكية من المؤلف.
من بيروت إلى القاهرة
بدأت الأزمة المالية في لبنان قبل الحجر وجائحة كوفيد-19. تفاقمت الأزمة، وانهار النظام المصرفي جزئيًا، ثم اختفت السلع الأساسية والأدوية والوقود، ومعها الكهرباء. وتوالت الأزمات واحدة تلو الأخرى: من انفجار مرفأ بيروت في آب/ أغسطس 2020، إلى توتر الوضع الأمني المتنقل، إلى "الحرب عن بعد" (2023) التي استمرت قرابة عام، وصولًا إلى الحرب المفتوحة والنزوح الكبير (2024). أثرت هذه الأزمات على قطاعات حيوية في لبنان، وكان قطاع الطباعة والنشر من الأكثر تأثرًا. اختفت معارض الكتب، ولما عادت في السنتين الأخيرتين باتت المشاركة فيها ضئيلة مقارنةً بحجم المشاركة قبل الأزمة.
على الرغم من كل ذلك، تمكن الناشر بسام شبارو رحمه الله، من إصدار ترجمة رواية أندريه كوكوتيوخا "هناك حيث يختفي البشر" (2022). في الواقع، وبناء على رغبة شبارو، غيّرت العنوان الأصلي للرواية وهو "المنظقة الشاذة". لاقت الرواية استحسانًا مقبولًا من القراء، لا سيما وأن الأدب البوليسي كان رائجًا في ستينيات القرن الماضي، لكنه انحسر مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، ولم يظهر إلا في بعض أعمال الكاتب جبور الدويهي (1949-2021)، الذي تُرجمت روايته "طُبع في بيروت" إلى الأوكرانية من قِبل الزميلة أوكسانا بروخوروفيتش (دار نشر "نورا-دروك"، 2022). لا تكمن أهمية رواية "هناك حيث يختفي البشر" في نوعها الأدبي فحسب، بل تكمن أيضًا في تعريف القارئ العربي بمدينة جيتومير والحياة اليومية فيها عبر كلمات كوكوتيوخا، الكاتب البارع الذي يرسم شخصياته بمهارة وأناقة، ويهتم بأدق التفاصيل. كما أن الرواية فتحت أمام القارئ العربي عالم الصحافة الأوكرانية واهتمامات القراء، وفساد السياسيين، ومأساة تشيرنوبيل، وأوضاع أجهزة الأمن الداخلي في البلاد.
فيما كانت أوضاع دور النشر في بيروت تتدهور، شهدت القاهرة ازدهارًا مطردًا وبفضل استقرار الوضع الأمني والسياسي في السنوات الماضية، وأصبح معرض القاهرة الدولي للكتاب المعرض الأكثر حضورًا في العالم العربي. وهذا ليس مفاجئًا، فمصر أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان، ويتركز الجزء الأكبر من المثقفين والكتاب والقراء في العاصمة، حيث يتجاوز عدد سكان "القاهرة القديمة" 10 ملايين نسمة، ويتجاوز عدد سكان "القاهرة الكبرى" 22 مليون نسمة، مما يجعلها واحدة من أكبر عواصم العالم من حيث المساحة والسكان.
في القاهرة، وفي عام 2023، صدرت الترجمة العربية لرواية ليوبكو ديريش "الأشجار النحاسية". لا تزال الموسيقى الغربية، التي وصلت في الستينيات والسبعينيات، تحظى بشعبية خاصة بين الأجيال العربية المختلفة، ويحظى عدد من الموسيقيين الذين تتفاعل الرواية مع أعمالهم باحترام كبير. للوهلة الأولى، يشعر القارئ أن المؤلف كتب روايته تحت تأثير المخدرات، لكن النص يأسره ولا يتركه. تتيح القراءة المتأنية لهذه الرواية للقارئ التعرف إلى أوكرانيا في العقد الأول بعد الاستقلال وفي السنوات الأخيرة من الحقبة السوفياتية. بعض المشاهد صادمة وغير متوقعة بلا شك، لكن النص عمومًا لاقى استحسانًا. كان لا بد من تغيير عنوان الرواية أيضًا، لأن كلمة "كَلت" (طائفة أو عبادة) تحمل معاني مختلفة المجتمع العربي، وتُذكّر بمختلف الصراعات الدينية. لذلك، اتفقنا مع الناشر على أن تحمل الرواية اسم المدينة التي تدور فيها أحداثها "ميدني بُوكي" أي "أشجار الزان النحاسية".
في العام التالي، تعرّف القارئ العربي إلى الكاتبة يفهينيا كونونينكو من خلال روايتها "الرغبة الأخيرة" (دار "أنيتا أنتونينكو"، 2015). لا بد أن الأنظمة الشمولية غير غريبة عن القارئ العربي، وكذلك الكتّاب الذين تُنشر أعمالهم بانتظام في ظل هذه الأنظمة، وبطبيعة الحال، لا أحد يقرؤها. تزامن صدور الترجمة العربية للرواية مع سقوط النظام السوري أواخر عام 2024، مما ساهم في انتشار الرواية التي تحكي عن الكاتب السوفياتي الكلاسيكي إيفان إيفاك، الذي عمل جلادًا في سجون النظام وكتب سيرته الشخصية. تصف بالتفصيل خطوات كتابة السيرة الذاتية من جهة، وتُعرّف القارئ على ورش الكتابة الإبداعية في الحقبة السوفياتية، من جهة أخرى. لكن اللافت فيها أنها ترسم بدقّة تاريخ كييف، "مدينة المنازل الرمادية"، من خلال شخصياتها، حيث تتحول المدينة - المكان - إلى الشخصية الرئيسة.
في العام نفسه، وبالتزامن مع صدور "الرغبة الأخيرة"، أصدر "المكتب المصري للنشر" ترجمة رواية إيرين روزدوبودكو "اثنا عشر، أو تربية المرأة في ظروف غير صالحة للحياة"، التي ترجمتها الزميلة أولينا خوميتسكا، وقد سعدتُ للغاية، من جهة، بقراءتها بالعربية، ومن جهة أخرى بانضمام الزميلة إلى تيار ترجمة الروايات الحديثة من الأوكرانية إلى العربية. يُسجّل لخوميتسكا أن نصها مستقل، وكأنه كُتب أصلاً بالعربية. وقد سخّرت فيه خبرتها الطويلة في الترجمة، ملتزمةً بمعايير السلاسة والبساطة. كما راعت متطلبات الكتابة الأدبية الحديثة. وقد أحسنت اختيار مفردات وتعابير سهلة، قريبة من القارئ، وفي الوقت نفسه قوية، تنقل المعنى على أكمل وجه. كما نجحت في إضفاء لمسة جمالية لغوية على نصها، وشرح بعض العبارات والمصطلحات في الهوامش.
6 سنوات و7 روايات
وهكذا وصلنا إلى رواية "فريدة"، الصادرة مؤخرًا عن "دار صفصافة" والتي ستحتل مكانها في معرض القاهرة الدولي للكتاب مطلع العام 2026، بعدما جالت في معارض الشارقة والجزائر والكويت. على مدار السنوات الخمس الماضية، كان لي شرف فتح نافذة يتمكّن القارئ العربي من خلالها من التعرّف إلى الرواية الأوكرانية الحديثة بمعدل رواية واحدة سنويًا، وقد أضافت الزميلة خوميسكا رواية سابعة إلى الروايات المترجمة الست، وهكذا تشكّلت نواة مكتبة الروايات الأوكرانية المترجمة إلى العربية.
أعتقد أن الرواية الأوكرانية الحديثة تستحق مكانًا لائقًا على رفوف الأدب العالمي المترجم إلى العربية. لذا، آمل أن تبقى هذه النافذة، التي تشرفتُ بفتحها، مفتوحةً وتتسع بفضل جهود الزملاء المترجمين، لتتحول إلى شرفة واسعة تُتيح للقارئ العربي الاطلاع على الأدب الأوكراني المُترجم بدون المرور بلغة وسيطة.
