ليسيا أوكراينكا هو الاسم الأدبي للاريسا بيتروفنا كوساتش (1871-1913). وُلدت في عائلة بيتر أنطونوفيتش كوساتش وأولغا بيتروفنا كوساتش (من عائلة دراغومانوف). كان بيتر أنطونوفيتش محاميًا، خريج جامعة كييف، قضى معظم حياته في محافظة فولين، في مؤسسات معنية بشؤون الفلاحين. وكان عضوًا في "الجماعة القديمة" في كييف، حيث تعرّف على ميخايلو بتروفيتش دراغومانوف وشقيقته الصغرى أولغا.
وُلدت ليسيا في مدينة زفياهيل (نوفوهراد-فولينسكي). في عام 1879 انتقلت
العائلة إلى لوتسك، وفي عام 1882 إلى ممتلكاتها الخاصة في قرية كولودياجني بالقرب من
كوفيل. بالنسبة إلى ليسيا تشكلت شخصيتها في كولودياجني، واعتبرت البلدة وطنها الصغير.
منذ الطفولة المبكرة، ظهرت في حياة ليسيا سمتان مهمتان: أمراضها وقدراتها
الاستثنائية. فقد وُلدت ليسيا ضعيفة جدًا، وظلت طوال الوقت تبدو هشة. في العائلة، كانوا
يدعونها بمحبة "زيتشكا" (أي نبتة رفيعة). في عام 1880 ظهرت لديها علامات
مرض مزمن، عجز الأطباء عن تشخيصه لمدة طويلة. اتضح أنه شكل مؤلم جدًا من سل العظام
(التهاب مفصل الورك). في 11 تشرين الأول/ أكتوبر 1883، أُجريت لها عملية جراحية على
العظام المصابة في يدها اليسرى، لكن سرعان ما تبين أن عظام قدمها اليمنى مصابة أيضًا.
كانت آلام القدم
تخف تارة تشتد تارة بشكل لا يطاق، وقد لازمَت ليسيا حتى عام 1899، عندما أُجريت لها
عملية ناجحة في برلين. بعد تعافيها من العملية، تمكنت ليسيا أخيرًا من المشي بحرية
نسبيًا.
بدءًا من أواخر عام 1907، ظهرت عند ليسيا علامات سل الكلى. كان العلاج
الوحيد لهذا المرض هو العلاج المناخي في مصر، حيث أمضت ليسيا الفصول الشتوية للأعوام
1909–1910، 1911، 1912–1913. كانت هذه إجراءات مسكنة تبطئ تطور المرض لكنها لا تستطيع
إيقافه. في حالة من الإرهاق الشديد بسبب سوء عمل الكليتين، انطفأت ليسيا في العام الثالث
والأربعين من عمرها في بلدة سورامي بجورجيا.
أما عن قدراتها، ففي الطفولة المبكرة، أظهرت ليسيا قدراتها الاستثنائية (يمكن بجرأة تسميتها
طفلة معجزة). تعلمت القراءة مبكرًا جدًا، وفي سن الخامسة كتبت أول رسائلها إلى جنيف،
إلى عائلة خالها ميخايلو دراغومانوف. في سن التاسعة كتبت قصيدتها الأولى "الأمل"،
وفي الثالثة عشرة كان لديها قصيدتان منشورتان. ظهرت هذه الأعمال تحت الاسم المستعار
"ليسيا أوكراينكا"، الذي اقترحته والدتها. في الرابعة عشرة، كانت ليسيا قد
ترجمت ونشرت روايتين لغوغول، وأول قصيدة طويلة لها "حورية البحر".
أحبت ليسيا الموسيقى كثيرًا وكانت تمتلك قدرات كبيرة في العزف على البيانو.
لكنها لم تتمكن من تطويرها بسبب مرض يدها. وبسبب المرض نفسه،
لم تتح لها أبدًا فرصة الالتحاق بالمدرسة، واكتسبت المعرفة من والدتها، ومدرسين خصوصيين،
والقراءة المستمرة للكتب. امتلكت ليسيا تمتلك رائعة في تعلم اللغات، وكانت تقول عن
نفسها إنه ربما لا يوجد صوت لا تستطيع نطقه. كانت تتحدث بطلاقة الأوكرانية والروسية
والبولندية والبلغارية والألمانية والفرنسية والإيطالية، وكتبت أعمالها بالأوكرانية
والروسية والفرنسية والألمانية، وترجمت من اليونانية القديمة والألمانية والإنكليزية
والفرنسية والإيطالية والبولندية. كانت تعرف اللاتينية جيدًا، وخلال وجودها في مصر
بدأت في تعلم الإسبانية.
معرفتها الممتازة باللغات فتحت أمامها كل ثروات الآداب الأوروبية، وكانت
قادرة على قراءة أحدث إصداراتها بلغاتها الأصلية.
حول إبداع ليسيا، يشكل الموضوع الرئيس في أعمالها النضال التحرري الوطني للشعب الأوكراني، والثقة
في النصر الحتمي في هذا النضال. بدءًا من أعمالها المبكرة مثل قصيدة "شمشون"
(1888) والمجموعة الشعرية "دموع لآلئ" (1891)، مرورًا بالنبرة العالية لـ"أغاني
العبيد" (1895–1896)، وصولًا إلى "الثلاثية" و"الأورغيا"
(1913)، التي أكملتها في آخر سنة من حياتها. في هذه الأعمال قدمت ليسيا أوكراينكا صورًا
جديدة ومتجددة لمناضلين لا يقبلون المساومة من أجل الحرية ضد كل أنواع الطغيان.
سنة 1901، لم يكن
هذا الشعر السياسي مجرد تحريض مخصص فقط لحاجات اللحظة الراهنة. فمن دون تقديم أي نصائح
حول برنامج وتكتيكات النضال الثوري، أو حول السبل الملموسة لتحقيق مثُل الحرية، ودون
أن تنطق حتى بكلمة "أوكرانيا"، أظهرت ليسيا صورًا رومانسية لهذا النضال. مهما كان
المجال الذي تستقي منه حبكاتها، سواء من مصر القديمة ("في بيت العمل"،
1906)، أو من تاريخ اليهود القدماء ("في الأسر"، 1903، "على الأنقاض"،
1904)، أو من فترة المسيحية المبكرة ("روفين وبريسكيلا"، 1908، "المحامي
مارتيان"، 1911)، أو من العصور الوسطى الأوروبية ("روبرت بروس"،
"حكاية قديمة"، 1893)، نرى في كل مكان أبطالًا إيجابيين محددين بوضوح، تجسيدًا
للشجاعة والصدق والإخلاص للمثل العليا. ونرى معسكر الطغاة المتجبرين بفعل الإفلات من
العقاب، تجسيدًا للعنف والفساد والتدهور الأخلاقي. صدام هذه القوى، وفقًا لقواعد الرومانسية،
غالبًا ما ينتهي بشكل مأسوي، لكن موت الأبطال عند ليسيا أوكراينكا يتبين دائمًا أنه
خطوة ضرورية نحو النصر.
كان المصدران الرئيسان لإبداع ليسيا أوكراينكا هما تجاربها الداخلية وانطباعاتها
الأدبية (التي قامت عليها الأعمال المذكورة أعلاه). انعكست تجاربها في سلسلة من القصائد
الغنائية الرائعة، بدءًا من الدورة المبكرة "السماء المرصعة بالنجوم"
(1891) وصولًا إلى مجموعتي "الربيع في مصر" (1910) و"من دفتر أسفار"
(1911)، التي كُتبت في أوج ازدهار موهبتها. ومن هذا المصدر نفسه تنبع بعض أعمالها الأخرى،
مثل قصة "الأوتار الصاخبة" (1897).
في المقابل، لم تكن ملاحظاتها على الحياة المعاصرة، التي عادة ما تكون
مصدر إبداع الكاتب، ذات أهمية جوهرية بالنسبة إلى ليسيا أوكراينكا، على الرغم من أن
أعمالًا مثل رواية "الوحيد" (1894) أو قصة "فوق البحر" (1898)
تنبع تحديدًا من هذا المصدر الثالث. إذ لم تقتصر تجارب ليسيا الأسلوبية على الرومانسية:
لدينا أعمالها بروح الانحطاط ("الوردة الزرقاء"، 1896)، والواقعية (سبق ذكر
"الوحيد"، "على البحر"، "الصداقة"، 1905)، وحتى الجمالية
البحتة دون توجّه فكري واضح ("أغنية الغابة"، 1911). لكن الأسلوب الرومانسي
ظل دائمًا هو السائد في أعمالها.
خاضت الشاعرة والقاصة في ميدان
الترجمة الأدبية كذلك، ففي عام 1889، في رسالة إلى شقيقها ميخايلو،
وضعت ليسيا أوكراينكا برنامجًا واسعًا لترجمة أعمال الأدب العالمي إلى اللغة الأوكرانية.
في إطار هذا البرنامج، ترجمت أعمال هاينريش هاينه ومنها "أغانٍ راقصة"
(1890)، وقصيدة "أتا ترول" (1893) وقصائد أخرى. من بين ترجماتها: تراتيل
من "ريجفيدا" (1890)، وشعر مصر القديمة (1910)، ومحاولات لترجمة أعمال هوميروس
ودانتي وشكسبير وبايرون. وأفضل دليل على التوجه الفكري لترجمات ليسيا أوكراينكا هو عملها على مسرحية
غيرهارت هاوبتمان "النساجون" (1900)، التي موضوعها انتفاضة العمال في سيليزيا
عام 1844.
وعملت كذلك على إحياء الفولكلور، إذ كانت تعرف الكثير من الأغاني الشعبية (حوالي 500 أغنية)،
وكانت هي نفسها ناشطة بارزة في إحياء الفولكلور. أول عمل فولكلوري لها كان "كوبالا في فولين" الذي نُشر عام 1891،
أما آخر مجموعة كبيرة من الأغاني التي سُجلت بصوتها فدوّنها زوجها كليمينت كفيتكا عام
1913. كانت مع زوجها أول فولكلوريين أوكرانيين بدءا في تسجيل أداء الأغاني الشعبية
على الفونوغراف. في عام 1908، خصصت ليسيا من أموالها المتواضعة 300 روبل لصالح فيلاريت
كوليسا، بفضلها تمكن من تسجيل العديد من الدوماس (أغان ملحمية).
وبما أن
أي نشاط عام كان ممنوعًا في الإمبراطورية الروسية، فإن كل محاولة في هذا الاتجاه كانت
تصبح غير قانونية وثورية. في الأعوام 1897–1900، ترجمت ليسيا أوكراينكا إلى الأوكرانية
أعمالًا من الأدب الاشتراكي الديمقراطي الأوروبي، لتوفير مادة للتعليم الذاتي للحلقات
الاشتراكية الديمقراطية الأوكرانية.
وكانت مشاركتها الأكثر نشاطًا في الحركة الثورية عامي 1902–1903، عندما
كانت في سان ريمو (إيطاليا)، حيث أجرت ليسيا أوكراينكا مراسلات مع فيليكس فولخوفسكي
في لندن وميخايلو كريفينيوك في براغ. كان موضوع المراسلات هو نشر الأدبيات غير القانونية،
ومنها وصلت إلينا ترجمة "حكاية القيصر سيميون". في ذلك الوقت، كانت ليسيا
أوكراينكا تعد عملاً بعنوان "حياتنا تحت حكم القياصرة الموسكوفيين"، لم يُعثر
عليه حتى اليوم. بعد ثورة 1905، ظهرت بعض الإمكانيات للعمل العام القانوني. وفي حزيران/
يونيو 1906، انتُخبت ليسيا أوكراينكا لعضوية مجلس إدارة جمعية "بروسفيتا"
في كييف، حيث كانت تشرف على المكتبة. هذا النشاط جذب انتباه الشرطة القيصرية في تشرين
الثاني/ نوفمبر 1906: رُفض افتتاح مكتبة عامة، واعتُبرت مشاركة ليسيا أوكراينكا في
"بروسفيتا" تمس سمعتها شخصيًا وسمعة المنظمة بأكملها. كانت النتيجة
المنطقية لهذه التحقيقات هي اعتقال ليسيا أوكراينكا (17–18 كانون الثاني/ يناير
1907)، ثم إغلاق "بروسفيتا" نفسها.
بعد عام 1907، وبسبب ظروف عائلية ومرض متقدم، اضطرت ليسيا أوكراينكا للعيش
خارج أوكرانيا، ولم تكن قادرة على المشاركة في الشؤون العامة. في هذا الوقت، ركزت على
الشأن الرئيس في حياتها، وهو الإبداع الشعري. وخلال حياتها، تمكنت
ليسيا أوكراينكا من نشر ثلاث مجموعات شعرية في طبعات منفصلة: "على أجنحة الأغاني"
(لفيف: 1893)، "أفكار وأحلام" (لفيف: 1899)، "أصداء" (تشيرنيفتسي:
1902). في كييف عام 1904، نُشر كتاب مختارات شعرية بعنوان "على أجنحة الأغاني"،
تعرض لتشويه كبير من الرقابة القيصرية. وفي عام 1911، أصدرت دار النشر الكييفية
"دزفين" المجلد الأول من الأعمال، الذي تبين أنه الأول والأخير.
المرحلة التالية من دراسة تراث ليسيا أوكراينكا كانت في عشرينيات وثلاثينيات
القرن العشرين. في ذلك الوقت، نُشرت مجموعات الأعمال في 7 مجلدات (1923–1924، بتحرير
كليمنت كفيتكا)، وفي 12 مجلدًا (1927–1930، بتحرير ب. ف. ياكوبسكي، غير مكتملة). هذه
الإصدارات أنجزها وطنيون أوكرانيون ولا تزال تشكل قيمة كبيرة حتى اليوم. وفي الحقبة السوفياتية، نُشرت أعمال ليسيا أوكراينكا في 5 مجلدات (كييف، 1951–1956)، و10 مجلدات
(كييف، 1963–1965)، و12 مجلدًا (كييف، 1975–1979). واحتوت هذه الإصدارات أعمالًا
لم تكن معروفة سابقًا من تراث الشاعرة.
بعد استقلال أوكرانيا، بدأت مرحلة استيعاب تراث ليسيا أوكراينكا وهي لا تزال مستمرة. في هذه
المرحلة، ركز الاهتمام الأساسي على الأحاديث حول ضرورة نشر طبعة جديدة من الأعمال في
16 مجلدًا، التي أبصرت النور سنة 2021، في الذكرى الخمسين بعد المئة على ولادة
ليسيا أوكراينكا.
