اللوحة التي اخترتها لغلاف كتاب "الكوبزار 1840"، الصادر عن "دار المصور العربي" في بيروت العام الماضي، هي بعنوان "الكوبزار ومرافقه" (1854)، للرسام ميخائيلوفيتش جيمتشوجنيكوف (1828-1912). كان جيمتشوجنيكوف رسامًا وناقدًا فنيًا. كتب مذكراته، ودوّن تفاصيل رحلته إلى مصر ولبنان وسوريا وفلسطين، في كتاب "ذكرياتي عن الماضي" (للاطلاع على تفاصيل الرحلة إلى بلادنا: انقر/ي هنا) وتكمن أهمية هذه الرحلة فيها أنها حدثت قبل عامين من أحداث 1860 في سوريا ولبنان، حيث يقف جيمتشوجنيكوف شاهدًا على التوترات المحلية. وأورد فيه كذلك ذكرياته عن تاراس شيفتشينكو.
اللوحة تجسد الكوبزار المكفوف والصبي المرافق له، كما وصفه شيفتشينكو في القسم الخامس من قصيدته "كاترينا"، التي تعتبر قلب الديوان. قال في ذلك: "مشى الكوبزار نحو كييف البعيدة،/ مشى حتى تعب/ فجلس يستريح إلى جانب الطريق./ كان معه مرافقه، يحمل متاعه،/ صبي داكن الوجه./ أسند رأسه على صدره،/ وغط في النوم./ وفي هذه الأثناء،/ أنشد الكوبزار يسوع". ("حبيبي يسوع"، ترنيمة روحية للشاعر المطران دميتري روستوفسكي). هذا الصبي هو ابن كاترينا، الفتاة الأوكرانية التي أغواها جندي موسكوفي، وعاشرها فحملت، ثم تركها وذهب إلى الحرب ولم يعد إليها على الرغم من أنه وعدها بذلك، فحملت ابنها وسافرت بحثًا عنه وانتهت نهاية مأسوية. وبالتالي غنّى الكوبزار حكايتها. ثم يصف الشاعر الصبيّ: "أسود الحاجبين أسمر الوجه/ عارٍ، حافي القدمين، هزيل/ كيف أعطته أمه حاجبين كهذين، ونسيت أن تمنحه السعادة؟".
والكوبزار، في الأصل، هو الشاعر والمغني والموسيقي الشعبي الأوكراني الذي يعزف على آلة الكوبزا الوترية. وقد لعب الكوبزارون دورًا رائدًا في المحافظة على التراث الملحمي ونقله في شكل أغانٍ تاريخية وخواطر شعرية وترانيم دينية، وأغان أخلاقية، بالإضافة إلى الحكايات الخرافية والأساطير. وكان عزفهم على الكوبزا (أو القيثارة أو الباندورا)، يرافق الغناء. تُقارن أهميتهم للشعب الأوكراني بأهمية الشعراء الإغريق، أو الشعراء العرب في شبه الجزيرة العربية، أو منشدي السهوب لدى شعوب آسيا الوسطى ومنغوليا وكازاخستان. والكوبزارية رمز للثقافة الوطنية الأوكرانية، وقوتها وصلابتها، وشخصيتها المحبة للحرية، ونقاء أفكارها الروحية، فقد حافظ الكوبزارون لقرون على الإرث الروحي للشعب، وأيقظوا فيه الوعي الوطني، ونقلوا الحكمة وكشفوا عن حقيقة الحياة، ودعوا إلى الوحدة والحرية. يذكر أنه خلال الدورة التاسعة عشرة للجنة اليونيسكو، التي عقدت في الباراغواي، في 5 كانون الأول/ ديسمبر 2024، اعتُرف رسميًا بالكوبزارية الأوكرانية كتراث ثقافي عالمي غير مادي للبشرية.
حمل أول ديوان شعري صدر لشيفتشينكو سنة 1840 اسم "الكوبزار"، وسرعان ما لقب الشاعر نفسه بالكوبزار. ولهذا الديوان الشعري أهمية خاصة لدى كل أوكراني ويمكن أن يعبّر عن ذلك ما كتبه الشاعر الأوكراني الكبير إيفان فرانكو (1856-1916) عنه: "فتح هذا الديوان الصغير على الفور عالمًا جديدًا من الشعر، انفجر كنبع ماء زلال باردٍ، مُضاءً بوضوح وبساطةٍ ورشاقة شعرية في التعبير لم يسبق لها مثيل في الأدب الأوكراني". صدرت الطبعة الأولى من "الكوبزار" بألف نسخة عن مطبعة إيغور فيودروفيتش فيشر في سان بطرسبورغ. واحتوت أول مئة نسخة من هذه الطبعة على 115 صفحة، ولكن بعد تدخل الرقيب، صودر معظمها وأُتلف قبل بيع الديوان، وبقي نحو عشر نسخ أهداها شيفتشينكو لأصدقائه. حاليًا، توجد نسخة شيفتشينكو الخاصة منها في سان بطرسبورغ، والتي كانت قد صودرت منه خلال اعتقاله الأول، بينما تحتوي بقية النسخات على 114 صفحة. تضمّن "كوبزار 1840" ثمانية أعمال مبكرة لشيفتشينكو، وهي: "أفكاري، أفكاري"، "بيريبينديا"، "كاترينا"، "الحورة"، "خاطرة"، "إلى أوسنوفيانينكو"، "إيفان بيدكوفا"، "ليلة تاراس". وقد حملت ست قصائد منها إهداءات. بعد اعتقال شيفتشينكو سنة 1847، حُظر "الكوبزار" في الإمبراطورية الروسية وصودرت نسخاته من المكتبات ومستودعات الكتب ومن المواطنين، مما جعل هذه الطبعة نادرة حتى في حياة الشاعر. لم يبقَ في العالم سوى نسخ قليلة من "كوبزار 1840" إحداها (تتألف من 114 صفحة) محفوظة في مكتبة فيرنادسكي الوطنية الأوكرانية في كييف.
إلى جانب ترجمة قصائد شيفتشينكو إلى العربية والتعليق والتعليق عليها، يتضمن كتاب "الكوبزار 1840"، الصادر عن "دار المصور العربي في بيروت"، مقدمة للبروفيسور إيهور أوستاش، وملحقين للقارئ العربي: "الكوبزار: الديوان والشاعر"، و"رحلة الكوبزار: من الأوكرانية إلى العربية".
